لماذا يُعتبر استخدام السياسيين والمُفكّرين وقادة الرأي وحتى الشّركات لفيس بوك كأداة تواصل أساسية/حصرية خطأ استراتيجيًا فادحًا.

الوقت المقدّر لقراءة هذا المقال: 10 دقيقة و 24 ثانية

على مرّ السّنوات الماضية انتقل الكثيرون من الكتابة والنشر على مُدّوناتهم ومواقعهم الخاصة إلى الكتابة والنشر على الشبكات الاجتماعية وخاصة فيس بوك. الأمر راجع إمّا للتعقيدات التقنية وغير التقنية التي تُرافق إنشاء وإدارة موقع أو مُدوّنة، أو ربما لسهولة الوصول إلى الجمهور المُستهدف عبر الشبكات الاجتماعية، عملًا بقاعدة أنشر مُحتواك أين يقضي جمهورك المُستهدف وقته”.

وبحكم أن فيس بوك أصبح المكان الذي يقضي أغلب الناس أوقاتهم فيه، بل وأصبح فيس بوك هي الإنترنت في نظر الكثيرين، فإن النشر هُناك مباشرة يبدو خطوة منطقية، بل ومنصوح به في نظر الكثيرين. لكن ما لا يعلمه أكثر من ينشر على فيس بوك بشكل أساسي/حصري (وربما يعلمون ذلك لكن يتجاهلون الوضع) هو أن القيام بذلك خطأ استراتيجي فادح. سأحاول توضيح ما أقصده في الأسطر القادمة.

بداية لا أتكلم هنا عن الخصوصية وكيف أن فيس بوك لا تُعير اهتمامًا لهذا الموضوع إطلاقًا مهما ادّعت عكس ذلك، فكل فضائحها المُتتالية التي أسالت الكثير من الحبر في الأشهر القليلة الماضية مُرتبطة بشكل أو بآخر بالخصوصية، كما أنني لا أتكلم هنا أيضًا عن تحول فيس بوك إلى منظمة إجرامية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فيكفي أن تقرأ عن كيفية استغلالها للأطفال لتحقيق مداخيل كبيرة من الألعاب التي تتوفر على الدفع المُضمّن فيها أو كيف أنها استطاعت أن تدفع بشريحة مُعتبرة بتنصيب نسخة تجريبية من أحد تطبيقاتها لتتجسس على كل كبيرة وصغيرة يقومون بها على هواتفهم. قد أتطرق إلى هذه المواضيع لاحقًا إن سنحت لي الفُرصة. لكن دعنا نتغاضى عن كل هذه المشاكل أو لنفرض أنه لا يوجد لدينا أي مُشكل أخلاقي مع ذلك، ولنحاول فهم مدى نجاعة النشر بشكل أساسي أو حصري على فيس بوك وهل هي استراتيجية فعّالة أم هي خطأ فادح.

بالمناسبة، سبق وأن تواصلت مع أكثر من حساب/شخصيات ممن ينشرون آراء ومقالات مُطوّلة على فيس بوك بشكل حصري، حتى أنني عرضت على بعضهم مُساعدتهم في إنشاء مدونات خاصة لنشر مُحتوياتهم فيها، لكن للأسف لم أتلقّ حتى أية ردود.

إليكم الأسباب التي من أجلها أرى أن الاعتماد على فيس بوك للنشر بشكل أساسي/حصري خطأ استراتيجيًا فادحًا.

1/ أنت ومنشوراتك تحت رحمة خوارزميات فيس بوك

هل تعلم أنه حتى ولو كان لديك مليون مُتابع على فيس بوك فإن احتمال أن تصل منشوراتك إلى كل هذا المليون ضئيلة جدًا. بعبارة أخرى لا تغرّنك الأرقام التي تُشاهدها في عدّاد الصفحة فهذه الأرقام عادة ما يُطلق عليه وصف Vanity metrics (جوجل يُترجمها إلى مقاييس الغرور“) ولا تعني شيئا إطلاقًا.

فيس بوك تُغيّر خوارزمياتها بشكل مُتواصل وتهدف بشكل أساسي إلى أن تدفعك للترويج لمنشوراتك حتى تصل إلى مُتابعيك (وغيرهم). بعبارة أخرى، إن لم تكن تدفع مقابل الترويج فليس من فائدة فيس بوك أن توصل منشوراتك إلى مُتابعيك.

للمزيد حول الموضوع:

The Decline of Organic Facebook Reach & How to Adjust to the Algorithm

2/ لا تملك محتواك ولا منصّتك بل هما ملك لفيس بوك. بعبارة أخرى وجودك على المنصة تحت رحمة قوانين فيس بوك وأهوائها

تحتفظ فيس بوك بحقها في حذف صفحتك ومنشوراتك وتحتفظ حتى بحق منعك من النشر بشكل مؤقّت أو دائم. بعبارة أخرى إن صُنّفت صفحتك أو منشوراتك تحت تصنيف فيس بوك ليس راضية عنه فعلى وجودك على المنصّة السّلام.

للمزيد حول الأمر:

Facebook accused of removing activists’ pages

3/ إمكانية قرصنة صفحتك وحسابك جد واردة.

صحيح أن فيس بوك تتيح الاستيثاق الثنائي 2FA على منصّتها وهو الأمر الذي يحدّ من القرصنة بشكل كبير، لكن من واقع ملاحظتي فإن قلّة قليلة فقط تفعّل هذه الخاصية. ما الذي يُمكن أن يحدث إن تمّت قرصنة صفحتك أو حسابك؟ يُمكن حذف منشوراتك أو الصفحة بشكل كامل، ويُمكن أيضًا نشر محتويات باسمك دون علمك.

قد يقول قائل: نفس الأمر قد يحدث مع موقع أو مدونة شخصية (أي أنها تتعرض للقرصنة)، وهذا أمر وارد فعلًا. لكن الاختلاف مع المواقع والمُدّونات هو أنه بإمكانك دائمًا أخذ نسخ احتياطية من قاعدة البيانات واسترجاع جميع المنشورات في وقت قصير. بل يمكن أيضا نقل المُحتوى إلى موقع جديد بكل سهولة. أما مع الشبكات الاجتماعية وبحكم أنّك لا تملك المنصة التي تتخاطب من خلالها مع جمهورك فهذا أمر غير مُمكن بسهولة (إن لم يكن مستحيلًا).

4/ أنت عرضة التبليغ المُمنهج

هل سبق وأن سمعت عن صفحة موقع أو قناة إخبارية أو شركة تعرّضت للإيقاف بشكل مؤقّت؟ الأمر راجع إلى قيام عدد كبير من المُستخدمين بالتبليغ عن الصفحة، وما إن يتجاوز العدد حدًا مُعينا تقوم فيس بوك بتعطيل تلك الصفحات بشكل آلي حتى تتم مُراجعتها بشكل يدوي. عادة ما تتم هذه الحملات مساء الجُمعة بحيث أنه لو تم تعطيل الصفحة وقدّمت شكوى إلى فيس بوك لإعادة النظر في الأمر فمن الوارد جدًا أن تبقى صفحتك مُعطّلة إلى يوم الاثنين (بداية الأسبوع الجديد).

تخيّل أن تتعرض صفحتك للتبليغ المُمنهج في أحرج وقت مُمكن. إن كنت سياسيا فقد يكون ذلك في خضّم قضية تروّج لها وإن كنت مترشّحا لمنصب ما، فقد يكون ذلك قُبيل الانتخابات.

للمزيد حول الأمر:

How many reports are needed to delete a Facebook account?

5/ أنت ومحتواك لا وجود لكما خارج جدران فيس بوك

هل سبق لك وأن بحثت على أي مُحرّك كان عن جملة سبق لك نشرها على صفحتك أو حسابك على فيس بوك؟ هل حالفك الحظ في إيجادها؟ السبب راجع إلى أن المُحتوى المنشور في فيس بوك هو ملك لفيس بوك وهذه الأخيرة قرّرت أن تمنع مُحرّكات البحث من الوصول إلى هذه المُحتويات حتى تلك التي تنشرها بشكل عام.

6/ مُحتواك صالح لسُويعات فقط

مهما كانت أهمية المقال أو المنشور الذي نشرته على صفحتك على فيس بوك فإن مدّة حياته لا تتعدّى سُويعات قليلة. الأمر راجع إلى أن فيس بوك لا تهمّها جودة ذلك المُحتوى أو أهمّيته، فخوارزمياتها تأخذ مدى حداثة المنشور ضمن عواملها في اختيار المُحتويات التي ستظهر إلى كل مستخدم. حتى ولو حاز منشورك على تفاعل كبير جدًا إن ذلك لن يُساعدك سوى في تمديد حياة منشورك بسُويعات أخرى.

ما الحل إذن؟

الحل بسيط. عليك بنشر مُحتوياتك في موقع خاص بك. موقع تتحكّم أنت في اسم نطاقه وربما تدير خادومه بنفسك (لكن الأمر ليس ضروريا في أغلب الحالات) موقع تتحكم في مُحتوياته، موقع تستطيع جميع مُحرّكات البحث إيجاده، موقع يُمكن الوصول فيه بسهولة إلى جميع مُحتوياته حتى تلك التي نشرتها في القرن الماضي. موقع حرّ لأنّه في الويب الحر وليس في منصّة أبوابها موصدة وجدرانها عالية.

قد تتساءل: “لكن جمهوري موجود في فيس بوك فكيف أصل إليه؟“. هناك حل لذلك، انشر مقالك أو محتواك في مدوّنتك/موقعك، وبعدها انشر رابطًا لذلك المُحتوى على صفحتك، وبذلك ستضرب عصفورين بحجر واحد، ستتجنّب كامل المشاكل آنفة الذكر وستصل إلى جمهورك على فيس بوك. كما أن هذا الجمهور سيكون بمقدوره مُتابعتك حتى ولو لم يكن على فيس بوك. لا تنسَ أن أعداد مُستخدمي الإنترنت الذين ملّوا فيس بوك أو قاطعوه في تزايد، وقد يأتي الوقت الذي ستؤول إليه فيس بوك إلى ما آلت إليه شبكات أخرى سبقتها.

إن كنت تنتمي إلى طبقة السياسيين/المُفكّرين/قادة الرأي وكنت تنشر بشكل حصري على فيس بوك فإني أدعوك إلى أن تعيد التفكير في الأمر بشكل جدّي. إن كنت ترغب في القيام بهذه الخُطوة ولا تدري من أين تبدأ تواصل معي من فضلك، فإن لم أستطع مُساعدتك بشكل مُباشر فعلى الأقل سأقوم بتوجيهك إلى الأماكن التي يُمكنك الحصول فيها على مُساعدة مجانية كانت أو احترافية.

مصدر الصورة البارزة: wikimedia


عن كاتب المقال:

مُهندس برمجيات/مُبرمج جزائري

تابع الكاتب على:
Twitter +Google