لمحة سريعة حول كتاب Homo Deus: A Brief History of Tomorrow

ضمن تصنيفي: كُتب ،مقالات.
الوقت المقدّر لقراءة هذا المقال: 9 دقيقة و 23 ثانية

كتاب عظيم. من الكُتب القليلة في الآونة الأخيرة التي رغبت في إعادة قراءتها حتى قبل أن أكملها. كما أنه من الكُتب التي استصعبت كتابة لمحة سريعة حولها لأنه من الصعب تلخيص الكم الهائل من الأفكار الجديدة التي فيه في فقرات معدودات.

يتحدث الكتاب عن النزعة الإنسانية Humanism، ينظر إليها على أنها ديانة، يحكي تاريخ تطوّرها على مر السنّين ويُعلّل سبب وصفه لها بالدّيانة، وكيف أنها تطّور طبيعي من الديانات التي تدور حول فكرة الإله، وكيف أنها ديانة جديدة تدور حول تقديس الإنسان في حد ذاته، كما أنه يُحاول أن يرسم تصوّرًا لما ستؤول إليه هذه الديانة في المُستقبل وكيف أن القواعد التي بُنيت عليها ستُفضي بالقضاء عليها واستبدالها بديانة أخرى، ديانة أخرى تُقدّس المعلومة والبيانات سمّاها بـ Dataism (أو “النزعة البياناتية” إن جاز لي تعريبها على هذا النّحو).

الكتاب ينتهج نفس نهج الكتاب السّابق (Sapiens) والذي حاول الكاتب تمرير بعض الأفكار والآراء على أنها حقائق تاريخية، إلا أن الأمر مُختلف نسبيًا مع هذا الكتاب، حيث أنّه يُعنى بالمُستقبل، فيُمكن لأي كان أن يتوقّع أو يتخيّل ما الذي ستؤول الأمور إليه، رغم أن الكاتب اختار عنوانًا ثانويًا للكتاب سمّاه “نبذة مُختصرة عن تاريخ المُستقبل”. الكاتب أيضًا يُشير إلى أنها مُجرّد آراء وأن ما يُخفيه التاريخ لنا قد يكون مُختلفًا تمامًا عن ما تخيّله.
يُشير الكاتب إلى أن البشرية تخلّصت في الوقت الراهن من المشاكل الأساسية التي شغلتها على مر تاريخها (الحروب، الطاعون والمجاعات)، فلم يسبق للبشرية أن عرفت زمانًا كالزّمان الذي نعيش فيه حاليًا، فعلى سبيل المثال الأعداد التي تموت بسبب وفرة الغذاء (السّمنة وما دار في فلكها من أمراض) تتجاوز الأعداد التي تموت من المجاعات، كما أن أعداد من يموت بالشّيخوخة يتجاوز بكثير أعداد من يموت بالأمراض على مُختلف أنواعها، إضافة إلى أن أعداد المُنتحرين تفوق أعداد من يُقتل في الحروب والصراعات المُسلحة، كل هذا جعل البشرية تتطلّع إلى أفق جديدة، أفق لم تعد تكتفي بتصحيح النقائص (مُعالجة المريض وتحسين حالة الكئيب) إلى تحويل الإنسان إلى إنسان خارق (أو نصف آله) فلم يعد الطب الحديث يهتم بالعلاج فقط، بل أصبح يهتم بإطالة عمر الإنسان، ولم يعد تكتفي بتطوير أطراف اصطناعية لمن بُترت يده أو ساقه فحسب، بل تعدها إلى مُحاولة التعديل على الشفرة الوراثية وتطوير آلات تتفاعل مُباشرة مع الجسم وتتكامل معه.
من الأفكار اللطيفة التي استعرضها الكاتب هو أن الهدف من دراسة التاريخ ليس لاستخلاص دروس وعبر منه (أو لتجنب ما وقع الأسبقون فيه) بل للتخلص منه، وضرب مثالًا بالمساحات الخضراء التي غزت كل مكان حيث أن أصلها يعود للنبلاء الفرنسيين الذين كانوا يتفاخرون ويظهرون مدى ثرائهم عبر تخصيص مساحات لزراعة أعشاب لا تدر محاصيل، ثم رسخت تلك الفكرة في الأذهان وارتبطت بمفهوم الرفاهية، حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية وأصبحت حتى المُدن التي تقع في أعماق الصحاري تخصص مثل هذه المساحات الخضراء التي لا تعود بالنّفع فحسب وإنما تستهلك موارد شحيحة كالمياه. بعبارة أخرى دراسة التاريخ هنا سيمكننا من التخلص منه والبحث عن بدائل له.
فكرة أخرى لطيفة (أو غريبة) في الكتاب وهو أن الدين والعِلم لا يتنافسان ولا يتضادان (بالمفهوم الكلاسيكي) حيث أنهما لا يهتمان ولا يسعيان وراء نفس الهدف، فهدف الدين (أو الأديان بشكل عام) ليس الوصول إلى الحقيقة بقدر ما هو مُحاولة لفرض نظام عام للبشر، كما أن العلم لا يسعى وراء الحقيقة أيضًا بقدر ما يسعى وراء تحصيل القوة وتطويع الطبيعة، فكل الأبحاث العلمية ما هي سوى وسيلة للحصول على مزيد من القوة، عبر وصول إلى أدوية جديدة أو تحصيل قوى لم يكن في وسعنا استخدامها من قبل أو رفع إنتاجها الصناعي أو الزراعي.
حسب الكاتب الصراع ما بين الدين والعلم يرجع بشكل أساسي إلى نظرية التطور، حيث أن هذه النظرية تقوم على أساس أن جميع المخلوقات تطوّرت من أصل واحد ثم تفرّعت، فكل جيل كان يملك جميع مواصفات الجيل السّابق مع بعض التعديلات الطفيفة، وهو ما يجعل احتمال ظهور “روح” لتلك المخلوقات أمرًا مُستبعدًا. بعبارة أخرى تقتل نظرية التّطور مفهوم الروح التي تقوم عليها الأديان، وما الصراع القائم ما بين العلم والدين سوى ضرب نظرية التطور للأساس الذي بُنيت عليه الأديان.

عن الذكاء والوعي:إلى وقت قريب كنا نربط ما بين الذكاء والوعي، وأسالت مسألة الوعي الكثير من الحبر، حيث نتساءل إن كان بإمكان الآلات أن تتجاوز البشر، وهل تطور الذكاء الاصطناعي يعني ظهور وعي للآلات. لكن في الحقيقة الوعي ليس شرطًا أساسيًا، كما أنه أمر مُنفصل عن الذكاء، فيمكن الجزم بأن الآلات (الذكاء الاصطناعي) قد تجاوز البشر ذكاءً، خاصة لما يتعلق الأمر بأمور أو مهام مُحدّدة، مما يجعل مُستقبل الكثير من الوظائف مُهدّدة بالانقراض، ومنه فإن مُستقبل البشرية أيضًا مُهدّد. فإذا استطعنا بناء آلات تستطيع أن تقوم بكل ما يقوم به البشر عادة وبشكل أفضل وأدق وأقّل كلفة فلن تعود هناك حاجة إلى لتوظيف البشر.
الإشكال الذي يترتب عن ذلك هو أن النزعة البشرية تُعطي قيمة للإنسان لأنه هو العنصر الأساسي في هذا الوجود، فالدول مثلًا تقدّر مواطنيها لأنهم مصدر قوّتها الاقتصادية والعسكرية. تخيل ما الذي سيحدث للبشر وللنزعة البشرية بعد أن لا يكون لعامة البشر القيمة السابقة التي امتلكوها. سيصبحون مجرد عبء على تلك الآلات فقط.

عن استغلال البشر للحيوانات: فكرة لطيفة ركّز عليها الكاتب، وهي أننا نحن كبشر نعتبر أنفسنا جنسًا أرقى من جميع الحيوانات ولهذا نستغلها كيفما يحلو لنا، بل حتى نقتلها لاستهلاك لحومها. الآمر راجع إلى التّفوق البشري خاصة بذكائه. تخيل ما الذي سيحدث لما نتمكن من بناء آلات تفوقنا ذكاءً؟ هل ستعاملنا تلك الآلات مثلما نعامل نحن الحيوانات؟ فإن جاز لنا نحن البشر استغلال الحيوانات على أساس تفوّقنا الفكري عليها فما الذي سيمنع تلك الآلات من تطبيق نفس المفهوم علينا ومُعاملتنا بنفس الطريقة (هل يذكّرك ذلك بفيلم Matrix؟)؟

لا أرغب في الإطالة كثيرًا (لا أهدف إلى تخليص الكتاب بقدر ما أهدف إلى تدوين بعض الأفكار الأساسية التي فيه). أنصح بقراءة هذا الكتاب بشدّة (عدّة مرات). رغم أنني لم أعطِ للكتاب السّابق لنفس الكاتب (Sapiens) تقييمًا عاليًا، إلا أنّك قد ترغب في الاطّلاع عليه أولًا، حيث يُعتبر مقدّمة جيّدة لهذا الكتاب.

ملاحظة جانبية: بالرغم من تمكن الكاتب بشكل جيد من الإنجليزية إلا أنه نشر هذا الكتاب (والكتاب الذي قبله) بالعبرية أولا في إسرائيل قبل أن يتُرجم إلى الإنجليزية بعد عام من ذلك. أمر يحتاج إلى النظر والتفكير فيه.
تشير أيضًا صفحة الكتاب على ويكيبيديا بأن الكتاب تُرجم إلى 15 لُغة، العربية ليست إحداها.


هل أعجبك هذا المقال؟ أخبر أصدقاءك عنه Share on Facebook
Facebook
8Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on Google+
Google+
0Share on LinkedIn
Linkedin
Buffer this page
Buffer
Email this to someone
email
Share on Reddit
Reddit
0Share on Tumblr
Tumblr
0
وسوم:

عن كاتب المقال:

مُهندس برمجيات/مُبرمج جزائري

تابع الكاتب على:
Twitter +Google